ابن يعقوب المغربي

371

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

بناء على أن التقديم يفيد التخصيص أن القرآن يختص بعدم الريب ، وتحقق اختصاص الشيء بوصف إنما يعتبر بالنسبة إلى ما تتوهم مشاركته فيه ، والكتب السماوية هي التي تتوهم فيها مشاركة القرآن في أوصافه ، فإذا خص القرآن بوصف وهو - هنا على هذا التقدير - عدم الريب ؛ لزم ثبوت ضد هذا العدم وهو الريب في سائر الكتب السماوية ، وهو باطل ؛ ولذلك لم يقدم الظرف ؛ لئلا يقتضى بناء على الغالب ذلك ، ولأجل ما قلناه : من أن التخصيص إنما هو باعتبار النظير الذي تتوهم فيه المشاركة ، قلنا في مفاد لا فيها غول : إن عدم الغول مخصوص بخمور الجنة دون خمور الدنيا ، فإنه فيها ، ولم نقل دون سائر المشروبات وغيرها من المطعومات . ( أو التنبيه ) هو معطوف على تخصيصه أي : تقديم المسند يكون للتخصيص وللتنبيه ( من أول الأمر ) أي : أول زمان إيراد الكلام ( على أنه ) أي : المسند ( خبر لا نعت ) وإنما وقع التفريق بين الخبر والنعت بالتقديم ، لما علم من أن النعت لا يتقدم على المنعوت بخلاف الخبر مع المبتدأ . وإنما قال : من أول الأمر ؛ لأنه قد يعلم أنه خبر ولو مع التأخر بعد التأمل والنظر إلى أنه لم يرد خبر بعده فيفهم أن غرض المتكلم به الإخبار لا النعت ، فالنكتة في التقديم إفهام الخبرية أولا ، وذلك عند اقتضاء المقام تعجيل المراد من الكلام لأجل خوف فوات الفرصة - مثلا ، أو لطلب تحققه ؛ فرارا من الذهول للاعتناء بالمدح والتعظيم . ( كقوله ) أي : قول مولانا حسان - رضى اللّه تعالى عنه - في مدح نبينا ومولانا محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم : له همم لا منتهى لكبارها * وهمته الصغرى أجل من الدهر " 1 " . الهمة هي : الإرادة المتعلقة على وجه العزم بمراد ما ، ويمدح بتلك الإرادة إن تعلقت بمعالى الأمور ، فالمادح يقول : إن الكبار من هممه - صلّى اللّه عليه وسلّم - تتعلق بمعال لا يحاط بها تصورا ولا إدراكا ، والصغرى منها أجل باعتبار متعلقها من الدهر الذي كانت العرب تضرب بهممه المثل ؛ لأنه لوقوع العظائم فيه كأن له همما تتعلق بتلك العظائم ، فالصغرى أجل من الدهر نفسه فضلا عن هممه ، فلم يقل همم له لئلا

--> ( 1 ) البيت في الإيضاح ص 107 تحقيق د / عبد الحميد هنداوي ، وأورده محمد بن علي الجرجاني في الإشارات ص 78 وقيل إنه لحسان بن ثابت ، والصحيح أنه لبكر بن النطاح في مدح أبى دلف .